وهبة الزحيلي
77
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إثبات الوحدانية من واقع البشر [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 28 إلى 29 ] ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 29 ) المفردات اللغوية : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ جعل لكم أيها المشركون مثلا كائنا منتزعا من أحوال أنفسكم التي هي أقرب الأمور إليكم . والمثل : الصفة الغريبة التي تشبه المثل في الغرابة . هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من مماليككم وعبيدكم . مِنْ شُرَكاءَ لكم . فِي ما رَزَقْناكُمْ من الأموال وغيرها . فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ أي فتكونون أنتم وهم فيه سواء في إمكان التصرف فيه ، يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم . ومن الأولى : مِنْ أَنْفُسِكُمْ للابتداء ، والثانية : مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ للتبعيض ، والثالثة : مِنْ شُرَكاءَ مزيدة لتأكيد الاستفهام المقصود به النفي . تَخافُونَهُمْ أي تخافون أن يستقلوا بالتصرف فيه . كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض . والمعنى : ليس مماليككم شركاء لكم في أموالكم ، فكيف تجعلون بعض مماليك اللّه شركاء له ؟ ! كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي مثل ذلك التفصيل نبين الآيات بالتمثيل الموضح للمعاني . لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يتدبرون ، يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال . ظَلَمُوا بالإشراك . بِغَيْرِ عِلْمٍ جاهلين لا يردعهم شيء . فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي فمن يقدر على هدايته ؟ والمعنى : لا أحد يهديهم . وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم من آفاتها ، أي : وليس لهم منقذ من قدرة اللّه . سبب النزول : أخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كان يلبي أهل الشرك : لبّيك اللهم